عبد الملك الجويني
211
الشامل في أصول الدين
لا تنحصر في اللغة . على أن الذي قالوه ينعكس عليهم في اعتبار الطول والعرض والعمق ، فإن هذه الصفات لا تختص بالحيوان ، بل تتحقق فيها وفي الجمادات ، وإنما كان يكون ما قالوه قدحا ، لو لم نلزمهم على موجب أصلهم مثل ما ألزمونا . فإن قالوا : لو كان الأمر على ما قررتم ، لكانت رمانة القبان أجسم من الخشبة العريضة من حيث كثرت أجزاؤها ، وأربت على أجزاء الخشبة . ونحن نعلم أن الخشبة إذا كانت أكبر في رأي العين من الرمانة فيقال : الخشب أجسم من الرمانة ، وهذا الذي قالوه يناقض ما قدموه ، فإنهم أنكروا قبل ذلك لفظ الأجسم في الجمادات ، ثم أثبتوا ما أنكروه وألزموه في معرض آخر . على أنه لا مستروح فيه ، فإن من يقدر الخشبة أجسم من الرمانة ، يعتقد أن أجزاءها أكثر من أجزائها ، ويطلق الأجسم على هذا الاعتقاد بلا شك فيه ، وهو صواب في مقصد اللغة وإن كان زللا في المعنى . على أنا إذا جعلنا الثقل في الأجرام من الأعراض ، لم نستبعد كون أجزاء الخشبة أكثر من أجزاء الرمانة ، فاندفع ما موهوا به . ومما يعترضون به أن قالوا : نجد العرب تقول : هذا قديم وهذا أقدم منه ، وهذا حديث وهذا أحدث منه ، ثم لا يرجع قولهم في الأقدم والأحدث إلى إثبات زيادة يتخصص بها أحد الموجودين ، وهذا غير سديد أيضا . فإنا نعلم قطعا أنهم في إطلاق الأقدم والأحدث يعتقدون تفاضلا في معنى قدروه ، أصابوا فيه أم أخطئوا ، فهذا إذا لا يجزم ما مهدناه من اقتضاء المبالغة . ثم إن قدر على أهل اللغات زلل في المعاني ، فليس ذلك قادح في موضوع اللسان ، ووجب حمل هذا البناء على المبالغة عموما . ثم إن صح المعنى فقد تجمّع اللفظ والمعنى . والذي رمنا إثباته معنى صحيح وهو التأليف . على أنا نقول : راموا بالأقدم الإنباء عن كثرة مرور الأوقات وكرروها على أحدهما ، وإلى قريب من ذلك أشاروا في الحديث والأحدث . فاستقرت الدلالة ، واندفع عنها كل ما أوردوه . فإن قالوا : لو قدرنا عرض جوهرين متألفين على العرب ، وراجعناهم في تسميته جسما ، لأبدوا فيه أعظم التكبر ، إذ الجسم في إطلاقهم ينبئ عن الكثافة ، وهم لا يسمون جزءين كثيفا . قلنا : عين ما أنكرتموه ينعكس عليكم في الثمانية الأجزاء ، فإنها لو عرضت لما سميت جسما ، ومن شدا طرفا من التحقيق وأحاط بالجزء الفرد علما ، علم أن ثمانية من الجواهر إذا تنضدت لم تر في مجرى العادة ، وكذلك لو بلغت ثلاثين . فاستبان أن ما ألزمونا ينعكس عليهم ، ثم سبيل الجواب على المذهبين أن نتلقى من العرب معاني كلامها ولا نحكمهم فيما